محمد بن الطيب الباقلاني
241
الإنتصار للقرآن
فأما من قال : إنّ أول سورة أنزلت الحمد للّه رب العالمين ، فإنّهم يروون ذلك من طريق إسرائيل بن أبي إسحاق « 1 » عن أبي ميسرة « 2 » قال : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه إذا مرّ سمع من يناديه : يا محمد ، فإذا سمع الصوت انطلق هاربا ، فأتى خديجة فأخبرها ، فأسرّت ذلك إلى أبي بكر الصديق ، فقال : انطلقي بنا إلى ورقة ، فحدّثه ، فقال ورقة : هل رأيت شيئا ؟ قال : لا ، فقال : إذا سمعت النداء فاثبت حتى تسمع ما يقال لك ، فلمّا سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه : يا محمد قال : لبيك ، قال : قل : أشهد / أن لا إله [ 137 ] إلا اللّه وأنّ محمدا عبده ورسوله ، ثم قل : الحمد للّه رب العالمين . . فاتحة الكتاب » وساق الحديث . وهذا الخبر منقطع غير متصل السند ، لأنّه موقوف على أبي ميسرة ، وأثبت الأقاويل من خلاف الصحابة قول من قال : إنّ أول ما أنزل : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ ، وما يليه في القوة قول جابر ، ومن قال أول ذلك يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . وليس في هذه الأخبار نصّ من الرسول لا يحتمل التأويل ولا فيها ما يقتضي لفظه ومجيئه أنّه قال ذلك للكافّة وألزمهم نقله واعتقاده وحظر عليهم التخلّف عن حفظه ومعرفته ، فلذلك لم يجب ظهور هذه الأخبار ، ولزوم القلوب العلم بصحّتها والقطع عليها ، وإن كنّا في الجملة نقول : إنّ الحق لا يخرج عن اختلاف الصحابة للدليل القائم على ذلك ، وهذه الأخبار المروية
--> ( 1 ) في الأصل : إسرائيل عن أبي إسحاق ، والجادة إسرائيل بن أبي إسحاق ، فهو واحد وليس يروي إسرائيل عن أبي إسحاق ! وهو ابن يونس بن أبي إسحاق ، سبق الحديث عنه . ( 2 ) واسمه عمر بن شرحبيل الهمداني ، ثقة عابد ، سمع عمر وابن مسعود ، روى عنه أبو وائل ، مات سنة إحدى وستين . « الكاشف » ( 824 ) .